الجصاص
329
أحكام القرآن
[ المائدة : 42 ] فيه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة ، والأئمة بعده مرادون بالحكم معه . وأما إدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة المشي في الصلاة واستدبار القبلة والأفعال التي تركها من فروض الصلاة ، لأنه لما كان معلوما أن فعل الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فرضا ، فغير جائز أن يكونوا أمروا بترك الفرض لأجل إدراك الفضل ، فلما كان هذا على ما وصفنا بطل اعتلاله بذلك وصح أن فعل صلاة الخوف على الوجه الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز بعده كما جاز معه . وقد روى جماعة من الصحابة جواز فعل صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وحذيفة وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن سمرة في آخرين منهم ، من غير خلاف يحكى عن أحد منهم ، ومثله يكون إجماعا لا يسع خلافه ، والله أعلم . باب الاختلاف في صلاة المغرب قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي : " يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة " ، إلا أن مالكا والشافعي يقولان : " يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم ثم يصلي بالطائفة الثانية ركعة أخرى ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ركعتين " ، وقال الشافعي : " إن شاء الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى لأنفسهم ، وإن شاء كان قائما ، ويسلم الإمام بعد فراغ الطائفة الثانية " . وقال الثوري : " يقوم صف خلفه وصف موازي العدو ، فيصلي بهم ركعة ثم يذهبون إلى مقام أولئك ويجئ هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ويجلسون ، فإذا قام ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك فركعوا وسجدوا والإمام قائم ، لأن قراءة الإمام لهم قراءة ، وجلسوا ثم قاموا يصلون مع الإمام الركعة الثالثة ، فإذا جلسوا وسلم الإمام ذهبوا إلى مصاف أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين " ، وذهب في ذلك إلى أن عليه التعديل بين الطائفتين في الصلاة ، فيصلي بكل واحدة ركعة ، وقد ترك هذا المعنى حين جعل للطائفة الأولى أن تصلي مع الإمام الركعة الأولى والثالثة والطائفة الثانية إنما صلت الركعة الثانية معه . وقال الثوري : " إنه إذا كان مقيما فصلى بهم الظهر ، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين " فلم يقسم الصلاة بينهم على أن تصلي كل طائفة منهم معه ركعة على حيالها ، ومذهب الثوري هذا مخالف للأصول من وجه آخر ، وذلك أنه أمر الإمام أن يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة الأولى من الركعة الثانية ، وذلك خلاف الأصول على ما بينا فيما سلف من مذهب مالك والشافعي ، والله أعلم بالصواب .